لم يجب.
اقتربت منه.
لم تكتفِ بأن تخفي مـ .ـوت طفلتي بل أخذت الطفلة التي ربيتها، ثم حرمتني منها، وقلت للمحكمة إنني لا أصلح أن أكون أمًا؟
وضع يده على وجهه.
قال هامسًا
كنت خائفًا أن تعرفي.
لا.
قلت ببطء
كنت خائفًا أن تُفضح.
سقط الصمت على الغرفة.
ثم جاء صوت الطبيب، هادئًا لكنه حاسم
الآن، أهم ما لدينا هو إنقاذ سارة. إذا كانت ليست منكما بيولوجيًا، يجب أن نصل إلى عائلتها الأصلية بأسرع وقت. قد يكون أحد أقاربها متبرعًا مناسبًا.
رفعت رأسي.
كيف؟
قال
من خلال سجلات المستشفى القديمة إن كانت موجودة. ومن خلال أي اسم أو ورقة أو شخص شارك في ذلك.
نظرت إلى مرتضى.
من ساعدك؟
لم يرد.
فقالت أمه
الدكتور نادر.
تجمد مرتضى.
قالت الدكتورة مريم
نادر من؟
قالت الأم
نادر الكيلاني كان طبيب النساء في ذلك الوقت.
شعرت أن اسمه يفتح بابًا آخر.
بابًا مظلـ .ـمًا.
قال الطبيب الكبير ببطء
الدكتور نادر الكيلاني؟
نظرت إليه.
هل تعرفه؟
تبادل هو والدكتورة مريم نظرة سريعة.
ثم قال
هذا الطبيب تم التحقيق معه قبل سنوات في قضايا تلاعب بملفات ولادة لكن لم تثبت كل التهم.
شعرت أن الغرفة تدور.
لم تكن سارة مجرد طفلة تم تسجيلها بدل طفلتي الراحلة.
ربما كانت جزءًا من شيء أكبر.
شيء أبشع.
شيء لم يبدأ بي
ولم ينتهِ عندي.
في تلك اللحظة، خرجت ممرضة مسرعة من غرفة سارة.
قالت للطبيب
دكتور سارة استيقظت وتسأل عن أمها.
توقف الزمن.
نظرت إليّ الممرضة، ثم إلى مرتضى، ثم قالت بتردد
هي تقول أريد أمي زهراء.
لم أستطع التنفس.
كل الحقائق، كل التحاليل، كل الأسرار
انهارت أمام جملة واحدة.
أنا لم أحمل سارة في جسدي.
لكنها حملتني في قلبها.
ركضت نحو الغرفة.
وعندما فتحت الباب، رأيتها تنظر إليّ بعينين متعبتين.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
وقالت بصوت ضعيف
ماما تأخرتِ.
جلست بجانبها، أمسكت يدها، وقلت وأنا أبكي
لن أتأخر مرة أخرى.
لكن خلف الزجاج
كان مرتضى يقف محطّمًا.
ليس لأنه خسرني.
ولا لأنه خاف على سارة فقط.
بل لأنه أدرك أن الكذبة التي بناها ليحمينا
كانت هي نفسها التي ستدمّر كل شيء.
وفي تلك اللحظة، رن هاتف الطبيب الكبير.
ردّ بسرعة.
استمع لثوانٍ.
ثم تغيّر وجهه.
أغلق الهاتف ببطء، ونظر إلينا من خلف الزجاج.
وقال بكلمة واحدة
وجدنا السجل الأصلي.
ثم صمت.
قبل أن يضيف
لكن اسم الأم الحقيقية لسارة سيصدمكم أكثر من كل ما عرفتموه.
لكن اسم الأم
الحقيقية لسارة سيصدمكم أكثر من كل ما عرفتموه.
تجمّد الهواء في الغرفة.
لم أتحرّك.
لم أتنفّس.
حتى يدي التي كانت تمسك بيد سارة شعرت أنها لم تعد لي.
قلت بصوت خافت
من هي؟
نظر الطبيب إليّ، ثم إلى مرتضى، ثم قال ببطء شديد، وكأنه يختار كل كلمة بعناية
الأم المسجّلة في السجل الأصلي اسمها زهراء.
اتسعت عيناي.
لم أفهم.
أو ربما فهمت، لكن عقلي رفض أن يصدق.
أنا؟
هزّ رأسه.
الاسم الكامل زهراء حسن.
شعرت أن الأرض انسحبت من تحتي.
زهراء حسن
أختي.
تراجعت خطوة.
ثم أخرى.
لم أسمع صوت سارة وهي تناديني.
لم أسمع بكاء أحد.
كل شيء اختفى إلا اسم واحد.
أختي.
همست
هذا مستحيل.
لكن ذاكرتي بدأت تتحرك.
ذلك اليوم
قبل عشر سنوات.
يوم ولادتي.
لم أكن وحدي في المستشفى.
كانت أختي معي.
زهراء
كانت حاملًا أيضًا.
في الشهر نفسه.
لكنها
اختفت فجأة بعد أيام.
قالوا إنها سافرت.
قالوا إنها لا تريد أن يراها أحد.
قالوا الكثير
وأنا صدّقت.
نظرت إلى مرتضى ببطء.
وجهه كان شاحبًا كأن الدم انسحب منه.
قلت
كنت تعرف؟
لم يجب.
لكن صمته كان الإجابة.
صرخت
كنت تعرف أنها أختي؟!
أغلق عينيه.
ثم قال بصوت مكسور
عرفت بعد ذلك ليس في البداية.
اقتربت منه، والغضب يتصاعد في صدري
ومع ذلك أخفيت؟
قال
كنت أحاول أن أحميكِ
ضحكت.
لكنها لم تكن ضحكة.
كانت شيئًا بين الألم والغضب والانكسار.
تحميني؟ من ماذا؟ من الحقيقة؟ أم من نفسك؟
لم يرد.
لكن والدته قالت بصوت مرتجف
أختك كانت تمر بظروف صعبة.
لم تكن تريد الطفل.
التفتّ
إليها بسرعة
كفى.
لكنها أكملت
جاءت إلى المستشفى وحدها ووقّعت أوراق التنازل ثم اختفت.
تجمّدت.
تنازلت؟
قال الطبيب بهدوء
نعم. وفق السجلات، الطفلة سارة وُلدت لأختك، وتم تسجيلها لاحقًا باسمك بعد وفـ .ـاة طفلتك الأخرى.
لم أستطع الوقوف.
جلست على الكرسي.
كل شيء أصبح واضحًا ومشوشًا في نفس الوقت.
سارة
ليست ابنتي.
لكنها ليست غريبة.
هي دم من دمي.
قطعة من عائلتي.
قطعة من أختي التي اختفت.
رفعت رأسي ببطء
وأين هي الآن؟
نظر الطبيب إلى الملف.
ثم قال
هذا هو الجزء الصعب
توقّف.
ثم أضاف
تم تسجيل خروجها من المستشفى بعد الولادة مباشرة ولم يتم العثور على أي بيانات لاحقة لها.
همست
اختفت
قال
نعم.
ساد الصمت.
ثم عاد صوت الأجهزة من حولي.
عاد صوت سارة وهي تتنفس.
عدت إلى الواقع.
إلى السبب الحقيقي لوجودي هنا.
نظرت إلى الطبيب
هل يمكنني التبرع؟
نظر إليّ.
ثم قال
نعم.
رفعت عيني نحوه.
نعم؟
قال
رغم
أنكِ لستِ الأم المباشرة، إلا أن وجود صلة قرابة من الدرجة الأولى يزيد احتمال التطابق ونتائجك كانت متوافقة بدرجة كافية للزراعة.
شعرت بشيء ينكسر داخلي ثم يعاد بناؤه.
ليست ابنتي
لكن يمكنني إنقاذها.
نظرت إلى سارة.
كانت تنظر إليّ، بعينين مليئتين بالثقة.
لم تكن تعرف شيئًا.
ولا يجب أن تعرف الآن.
اقتربت منها.
مسحت على شعرها.
قلت
أنا هنا.
ابتسمت.
وأغمضت عينيها.
تمت العملية بعد يومين.
كانت أصعب يومين في حياتي.
انتظار
خوف
ودعاء لا ينتهي.
مرتضى لم يبتعد عن باب غرفة العمليات.
لكنه لم يجرؤ على الاقتراب مني.
كان يعرف
أن ما كسره لا يمكن إصلاحه بسهولة.
خرج الطبيب
بعد ساعات طويلة.
نظر إلينا.
ثم قال
العملية نجحت.
انفجرت بالبكاء.
لأول مرة منذ سنوات
بكيت وأنا أشعر أن شيئًا عاد إليّ.
مرت الأسابيع.
تحسنت سارة تدريجيًا.
بدأ لونها يعود.
بدأت تضحك.
بدأت تناديني
ماما دون تردد.
وفي كل مرة
كان قلبي يجيبها قبل لساني.
أما مرتضى
فلم يعد كما كان.
القضية أعيد فتحها.
التقارير المزورة
التلاعب
إخفاء الحقيقة
كل شيء خرج للنور.
وفي جلسة المحكمة الجديدة
وقف هذه المرة دون ثقة.
دون كلمـ . ـات.
دون دفاع.
والقاضي قال بوضوح
تم سحب الحضانة منه.
نظرت إليه.
لم أشعر بالانتصار.
فقط
بالنهاية.
عدت إلى المنزل.
هذه المرة
مع سارة ورُبى.
جلسنا معًا.
ضحكنا.
بكينا.
وبدأنا من جديد.
لكن في داخلي
كان هناك فراغ.
سؤال لم يُغلق.
أين أختي؟
لماذا فعلت ذلك؟
وهل كانت تعرف أن ابنتها ستعود إليّ يومًا؟
في إحدى الليالي
بينما كنت أرتب أغراض سارة بعد عودتها
وجدت شيئًا.
صندوقًا صغيرًا.
لم أره من قبل.
فتحته.
كان بداخله
صورة قديمة.
لي
ولأختي.
يوم كنا صغيرتين.
وخلف الصورة
كلمـ .
ـات مكتوبة بخط مرتجف
لو قرأتِ هذا يومًا اعرفي أنني لم أتركها لأنني لا أحبها بل لأنني لم أستطع أن أكون الأم التي تستحقها.
توقفت أنفاسي.
وقرأت السطر الأخير
سامحيني يا أختي واعتني بابنتي.
أغلقت عيني.
وهمست
فعلت وسأفعل دائمًا.
وفي تلك الليلة
نامت
سارة بسلام.
ونامت رُبى بجانبها.
أما أنا
فجلست بينهما.
أراقبهما.
وأدركت أخيرًا
أن الأمومة
ليست فقط دمًا.
بل وعد
لا ينكسر.
